حول المصلحة

قبل تطبيق نظام السجل العقاري في ليبيا كانت الملكية العقارية وغيرها من التصرفات التي تتم على الأموال توثق في المحاكم وأمام القاضي المختص والوثائق التي يتم تحريرها يحتج بها في إثبات الملكية وغيرها من الحقوق ، فكان نظام التوثيق هو المختص بشهر التصرفات وإن كان الشهر لا يتم على نطاق واسع وبتطور الزمن عرفت ليبيا نظام التسجيل العقاري بعد صدور قانون الأراضي العثماني سنة 1858 م واستنادا إليه قامت الدولة العثمانية بإنشاء نظارة السند الخاقاني ، وأنشئت له فروع في كافة الإيالات التابعة لها ومن بينها ليبيا ، وقد أخذ بنظام السجل العيني .

قامت الدولة العثمانية بحصر وتسجيل كافة الأراضي والمساكن والمباني في سجلات بعد إجراء تحقيق الملكية ( اليوقلمة ) ، وصنفتها إلى مسقوفــــــات ( مباني ) وأراضي ( متروكة ومزروعة ) وأملاك وقف ، وأراضي أميرية ( عامة ) ، استمر هذا النظام مطبقا يقوم بتسجيل الملكية العقارية ، ويتم إعطاء سندات خاقانية لأصحابها بعد تمام إجراءات تحقيق الملكية . إلى أن قامت إيطاليا الغاشمة باستعمار ليبيا سنة 1911مولم تنتظر السيطرة الكاملة عليها ، فقامت بإصدار القانون رقم 48 لسنة 1913م ، بشأن تصديق الحقوق العقارية ، وقد أخذ هذا القانون بنظام التسجيل العيني أيضا ، وفي سنة 1921 م أصدرت إيطاليا القانون رقم 1207 بشأن إثبات الحقوق العقارية ، وقد اعتد هذا القانون كسابقة بالوثائق والحجج القديمة واعتبارها مستندات يجوز الاعتماد عليها في تحقيق ملكية العقارات تسجيلها .

استمر تطبيق القانون السابق إلى ما بعد استقلال ليبيا عن إيطاليا ونالت استقلالها سنة 1951م ، ولكنها بادرت إلى إصدار قانون التسجيل العقاري والتوثيق بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1385 هـ الموافق 28 سبتمبر 1965 م ، وقد جمع هذا القانون بين القوانين الصادرة في ليبيا سابقا وبعض نصوص قانون الشهر العقاري المصري الصادر سنة 1946 م ، وقد نظم هذا القانون تحقيق الملكية وتسجيل العقارات والمنازعات التي تتم حول التسجيل ، وقد أخذ أيضا بنظام السجل العيني ، ومن خلاله قطعت مصلحة التسجيل العقاري والتوثيق شوطا كبيرا في تسجيل العقارات والحقوق التي أوجب المشرع تسجيلها أو قيدها ، وتم ذلك من خلال الإدارات والمكاتب المنتشرة في جميع أنحاء ليبيا ، وكان تنظيم المصلحة يعتمد على إدارات تابعة لها وكل إدارة يتبعها عدة مكاتب .

استمرت المصلحة في أداء رسالتها وقيامها بواجبها إلى أن وقع الانقلاب سنة 1969 م واستحداث النظام القائم آنذاك تغييرا كبيرا في الملكية العقارية فتدخل المشرع بإصدار قواعد خاصة بتحديد ملكية المساكن ، وتحديد مساحة الأراضي التي يجوز تملكها ، وترتب على ذلك مصادرة بعض العقارات من مسؤولى العهد الملكي والاستيلاء على بعض العقارات بالطريق المباشر، وبنزع ملكية بعض الأراضي والشقق الزائدة على حاجة مالكيها ، كما تم التصرف في الكثير من أملاك الدولة .

ومزارعها وأراضي الغابات والأوقاف ، فآلت إلى المقريين من ذلك النظام ، وهذا الذي أربك إدارات ومكاتب التسجيل العقاري ومصلحة الأملاك ، ولما كانت إدارات ومكاتب التسجيل العقاري تحتفظ بسجلات الملكية العقارية والمساحية ، وخوفا من قيام الملاك في يوم ما بالمطالبة بحقوق هام العقارية أقدم النظام على حرق كافة السجلات العقارية والمساحية حتى يطمس الوثائق التي تتيح للمالك السابق المطالبة بأملاكه عندما يتغير النظام وهذا الوقت الذي نعيش فيه بعد قيام ثورة 2011م خير دليل على ذكر .

تم الشروع في حرق السجلات العقارية والمساحية وكافة أوراق السجل العقاري يوم 17 /11/1985 م ، والذي قام بذلك هم أعضاء اللجان الثورية الذين كلفوا بهذا العمل المشين ، بارتكابهم جريمة حرق السجلات التي تضم أملاك المواطنين والدولة والأوقاف والسفارات وغيرها ، وقد تمت محاولات من قبل بعض الخيرين لإثناء هؤلاء عن عزمهم ، وإرشادهم إلى حفظ هذه الوثائق في مكان ما ثم إعادة تسجيل الملكية وفقاً للتشريعات الصادرة بالخصوص ، ولكن دون جدوى ، وامعانأ في تعتيم الأمر على الملاك السابقين قام المشرع بإصدار القانون رقم 11 لسنة 1988م ، بشأن السجل العقاري الذي قرر عدم الاعتداد بالوثائق السابقة والقانون رقم 12 لسنة 1988م بشأن مصلحة التسجيل العقاري الاشتراكي والتوثيق ورغم صدور هذين القانونين فإن واقع الملكية العقارية من حيث التسجيل لم يأخذ شكله الطبيعي نتيجة قيام الجهات المسؤولة باستيلاء على العقارية وتخصيصها لغير مالكيها من أصحاب الحظوة والنفوذ ، وكثر الاعتداء على أملاك الدولة والأوقاف التي لا يجوز تمليكها وقد تمت تلك التصرفات الغير مشروعة رغم وجود التشريعات التي لا يجوز تمليكها ، وقد تمت تلك التصرفات الغير مشروعة رغم وجود التشريعات في تنفيذ كل التصرفات المخالفة .

قبل قيام ثور 17 فبراير بسنة ، قامت المصلحة بمحاولة إصلاحية رغم استمرار النظام الظالم ، فقامت بتشكيل لجنة من بعض الخبراء وأساتذة الجامعات والمختصين في مجال التوثيق والتسجيل العقاري ، وكلفتهم بوضع قانون جديد ، وقد قامت اللجنة بوضع قانون حديث راعت فيه الأحكام التي كانت مقررة في القانون الصادر في العهد الملكي سنة 1965م واستحداث بعض القواعد التي من شانها أن تضبط الحقوق العقارية وكيفية تسجيلها ، والمنازعات المتعلقة بها والإجراءات المتعقلة بذلك ، وقد أصدر المشرع الليبي هذا القانون تحت رقم 17 لسنة 2010 م ، ولم يدخل هذا القانون حيز التطبيق الفعلي نظرا لقيام ثورة 17 من فبراير المجيد ة مع بداية سنة 2011 م ، واقتضى الأمر إيقاف التسجيلات لحين استقرار البلاد وقيام حكومة بها ، وهو ما تم خلال هذه السنة 2012 م الأمر الذي يستدعي نهوض مصلحة التسجيل العقاري بمهامها في تحقيق وتسجيل الملكية العقارية ولهذا فكرت مصلحة التسجيل العقاري في القيام بدارسة علمية جادة لما كان عليه التسجيل العقاري وما واجهه من أحداث وتغييرات ومصاعب ، وخاصة فيما يتعلق بالأملاك التي تمت مصادرتها أو تمليكه للغير أو نزع ملكيتها لصالح آخرين وتقييم وضعية الملكية العقارية باعتبارها تمثل الجانب الاقتصادي المهم في قيام الدولة بمشاريعها المستقبلية ، وتحقيق أهداف ثورة 17 فبراير التي أعلنت عنها برد الحقوق إلى أصحابها ووضع دستور للبلاد وقيام نظام يأخذ بالتعددية السياسية والفصل بين السلطات ، الأمر الذي يجب معه اتخاذ خطوات علمية ومدروسة تعتمد عليها المصلحة في استئناف نشاطها على أسس سليمة وقواعد ثابتة وإجراءات ميسرة للموطنين .